يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

56

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

بعض القوم : يا رسول اللّه قال أبو بكر : الحسنات من اللّه والسيئات من أنفسنا . وقال عمر : الحسنات والسيئات من اللّه . فتابع بعض القوم أبا بكر ، وتابع بعض القوم عمر . فأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أبي بكر وقال : كيف قلت يا أبا بكر ؟ قال : قلت الحسنات من اللّه والسيئات من أنفسنا . فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم أقبل على عمر وقال : كيف قلت يا عمر ؟ قال : قلت الحسنات والسيئات كلها من اللّه . قال : فانبسط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى عرف البشر في وجهه ثم قال : أما إني سأقضي بينكما بما قضى به إسرافيل بين جبريل وميكائيل ، والذي نفسي بيده إن أول من تكلم في القدر من جميع الخلق جبريل وميكائيل ، فأما جبريل قال مقالتك يا عمر ، وأما ميكائيل فقال مقالتك يا أبا بكر . فقال جبريل لميكائيل : إنا إن نختلف يختلف أهل السماء وإذا اختلف أهل السماء اختلف أهل الأرض فهلم نتحاكم إلى إسرافيل فما حكم بيننا رضينا . فأتيا إسرافيل فقضى بينهما أن القدر كله خيره وشره من اللّه وهذا قضائي بينكما ، ثم قال : يا أبا بكر لو أراد اللّه أن لا يعصى في الأرض لم يخلق إبليس . وقال بعض العلماء : كل ما صدر من العباد من قول أو فعل أو حركة أو سكون فهو خلق اللّه سبحانه ، وأنه لا يخلق أو يحدث شيئا من الأشياء إلا اللّه تعالى ، فيخلق للإنسان قدرة وقوة واستطاعة يكتسب بها أفعاله مختارا غير مجبر ولا ملجأ ، ولكنه لا ينفك من اكتساب ما سبق له في العلم القديم أنه يكتسبه ، وبذلك يتوجه عليه العقاب وله الثواب كما قال تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] خلافا لما يقوله أهل البدع والجهالة والزيغ والضلالة ، منهم من يقول : إنهم يخلقون أفعالهم ويحدثونها ، ومنهم من يقول : إن اللّه يخلق الخير وغيره يخلق الشر ، ويقولون : لا يشاء اللّه المعاصي ولا يريدها ، وقد ردّ عليهم عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه فقال لهم : لو لم يشأ اللّه المعاصي لما خلق إبليس . وقال رجل قدريّ لمجوسي : ما لك لا تسلم ؟ قال : حتى يشاء اللّه . قال القدريّ : قد شاء اللّه ولكن الشيطان لا يدعك . قال : فأنا مع أقواهما . تبا للمعتزلة وتعسا هربوا من شيء وقعوا في الكفر المحض نسبوا إلى اللّه العجز وأنه يكون في ملكه ما لا يريد . تعالى اللّه عن قولهم . وويل للجبرية الذين يزعمون أنهم لا قدرة لهم ولا استطاعة وأنهم كالحجر الذي لا يتحرك إلا بمحرك يحركه ، وكالباب الذي لا ينفتح ولا ينغلق إلا بفاتح ومغلق ، وأنهم يجبرون على أفعالهم التي خلقت لهم غير مكتسبين لها .